المرآة -قصة قصيرة لـ د/أحمد قبيصى
كتبهاالفارس الأخير ، في 13 نوفمبر 2009 الساعة: 01:29 ص
(لم أقصد بقصتى أحداً ولكنها دعوة لأن ينظر الكل فى مرآة حقيقته ليرى من يرى )
————————
"عشرون دقيقة كاملة يا سمير!!! "
نطقها (ماجد) بصوت زاعق وقد كست وجهه حمرة شديدة ،وهو مستشيط غضباً جراء تأخر مرؤوسه (سمير) عشرون دقيقة عن موعد العمل المحدد ،والتى بررها له (سمير) بحادث الطريق العارض والذى عرقله عن الوصول فى ميعاده والذى لم يتخلف عنه الا مرات قلائل ،بيد أن (ماجد) لم يلق بالاً بحديث سمير ولا تبريراته واندفع يبالغ فى شرح الخسائر التى يمكن ان تتكبدها الشركة بسبب هذا التأخير وكيف أن عشرون دقيقة خلال شهر تعنى أكثر من ثمان ساعات كاملة ولك أن تتخيل حجم العمل الذى يمكن أن ينجز خلال هذا الوقت ناهيك عن الراتب الذى تتحمله الشركة لهذا الوقت الضائع وكم هى النسبة التى يمكن أن تنمو بها أرباح الشركة فالدقيقة الوحدة تعنى ……
كلمات كثيرة قالها (ماجد) تخللتها أرقام وحسابات ونسب مئوية وبعض المصطلحات الانجليزية والتى يحاول (ماجد) مزجها بكلامه أو حشرها حشراً أثناء حديثه بداع او بدون ،كل هذا لم يستوضحه (سمير) وقد انفصل بعقله عن حديث رئيسه والذى أحس معه أن ذلك التأخير يمكن أن يكون سبباً فى أزمة دولية أو حرب عالمية ثالثة وأن الأمر ليس مجرد عشرون دقيقة يعلم رئيسه تماماً انها ليست عادة دائمة فيه ، كانت دهشة (سمير) عظيمة برد فعل رئيسه ولم يكن مرجع دهشته هو رد الفعل تجاه المشكلة بقدر ما كانت بسبب رئيسه نفسه (ماجد) فقد كان( ماجد) هو أخر شخص يمكن أن يتحدث اليه بهذه الطريقة وبكل هذا الغضب تجاه أمر يخص مصلحة العمل ،ليس لكونه صديق قديم لازمه العمل بهذا الفرع لاكثر من خمس سنوات كاملة ولكن لكونه يعرف من هو ماجد وكيف كان دوماً ساخطاً وغاضباً من كل سياسات الشركة والروؤساء وتعسفهم الدائم معه ،وكم سمعه يلقى اليه بأشر الأمنيات للشركة ومديريها حتى عندما كان يحاول (سمير) تهدئته وتبرير بعضاً من القرارات التى غضب لها صديقه كان دائماً يخالفه وينعته انه جباناً رعديداً يخشى العقاب وهو ما يدفعه للعمل بهذا الالتزام وليس كونه يحب عمله كما يريد أن يقنعه .
وتذكر أيضاً كيف كانت دهشته عظيمة عندما نما الى علمه تلك الصلة التى نشأت بين (ماجد) وأحد صانعى القرار فى الشركة والتى أخفاها عنه(ماجد) نفسه وان لم تتبدل حالته تجاه الشركة و سلوكياته فى العمل فهو دائم التأخير والمشاكسات مع زملائه، وفرعه لم يحقق النجاح المرجو كما هو متوقع والأغرب من كل هذا هو سعادة (ماجد) نفسه بتلك الخسارة والتى بررها فى اعماقه انها نتيجة لذلك الظلم الذى يعامله به روؤسائه رغم الامتيازات التى حظا بها منذ توطدت علاقته بصانع القرار السالف ذكره ،حتى عندما تم الاعلان عن فرص الترقى التى تقوم بها الشركة كل فترة ويتقدم لها الكثيرون مما يجدون فى أنفسهم الكفاءة ومما لا يجدون، اندهش (سمير) من أن صديقه الساخط دوماً (ماجد )يتقدم للوظيفة وزاد دهشته انه الوحيد الذى تم اختياره من بين كل المتقدمين رغم وجود من هم أكثر منه كفاءة واكثر التزاماً وعندما واجهه انه يشك بثمة تزكية حصل عليها (ماجد) وجد منه كل اصرار على انه لا يعرف احد وان حصوله على هذه الفرصة جاء لكفاءته وخبرته العالية ،تعجب (سمير) فى اعماقه من يقين (ماجد) بذلك الاعتقاد وتساءل هل حقاً يصدق ما يقوله ذلك ؟
وتذكر أيضاً كيف انقلب حال صديقه منذ توليه ذلك المنصب حتى عليه هو نفسه فبات يعامله بطريقة أكثر رسمية مما يجب ،وكثيراً ما تعسف معه فى مواقف لا توازى شيئاً مما كان يقترفه هو أثناء عمله فى نفس الموقع .
"وعليه سوف يتم توقيع الجزاء عليك "
قطعت العبارة حبل أفكاره و(ماجد) يطلقها فى هدوء لينهى بها حديثه الطويل الذى لم يعى منه(سمير) سوى هذه العبارة الأخيرة .
وفى المساء تقابل (سمير) مع صديقه (ماجد) وقد بدا مختلفاً تماماً عما كان عليه فى الصباح وكرر له نفس العبارات التى يبرر بها تعسفه الزائد معه فى العمل وانه يريد ان يكون حيادياً ولا يقبل انه يحابيه أو يتساهل معه لكونه صديقه فالعمل شىء والصداقة شىء آخر ،لم يتعجب (سمير) من كلمات صديقه الذى يعرفه منذ زمن بازوداجيته المعهودة وشخصيته المتقلبة دوماً بما يخدم مصالحه واهوائه رغم تظاهره المكذوب بانه الشخص المحايد وهو الذى كثيراً ما كان يلوم عليه وضوحه وثبات مواقفه وينعته دائماً بالغباء وانه يجب عليه أن يواكب الظروف والمتغيرات من حوله فذلك هو الذكاء الذى يفتقده وهو نفسه ما أوصله الى ما يريد أو هكذا تصور.
أشغله الجزاء الذى وُقع عليه بسبب رئيسه وصديقه (ماجد) والذى لم يناقشه فيه كعادته دائماً معه لعلمه بأنه لن يغير من الأمر فى شىء ،وتعجب فى نفسه من استمرار صداقته- أو ما يظنها صداقة- مع (ماجد) وهما النقيضان فى كل شىء الا ان عجبه هذا لم يستمر طويلاً فبمرورالأيام بدأت صداقته بماجد تتقلص شيئاً فشيئاً حتى انعدمت تقريباً فلم يعدا يتقابلا الا نادراً كما أن انتقال ماجد من الفرع الذى يعمل به سمير قطع البقية الباقية من تلك العلاقة .
كان كل يوم يمر يؤكد لسمير أن ماجد على صواب وأن تلونه المستمر كالحرباء مع كل المتغيرات من حوله هو عين الصواب فلم يلبث ماجد أن تقلد أعلى المراتب فى شركته بينما ثبت( سمير) محلك سر كثبات مبادئه التى لم تتغير .حتى تقابل سمير مصادفة مع أحد أصدقاء الدراسة القدامى والذى لم يره طيلة سنوات طوال وأثناء تحاورهما عن أحوال كلاً منهما أكتشف سمير وجود قرابة من نوع قوى بين صديقه القديم هذا وأحد الاسماء اللامعة ذات الوقع المخيف على الآذان فى الشركة التى يعمل بها سمير،ولم يدر سمير ما هو سر سعادته الغامرة بصديقه القديم وتعجب من سر تهيج أشواقه اليه بين وقت وآخر وطبيعى أن يتطرق الحديث بينهما الى قريب صديقه وموقعه الذى يمكن أن يستفيد منه سمير ،وخاصة فى ذلك الوقت الذى أعلنت فيه الشركة عن فرص الترقى ولأول مرة لم يجد سمير غضاضة فى اتباع اسلوب صديقه (ماجد) فهو لن يخسر شىء-أو هكذا يظن- ففاتح صديقه فى أن يزكيه عند قريبه صاحب الوقع المخيف وبمنتهى الحيادية بالطبع كانت مؤهلات( سمير)- وفى هذا التوقيت تحديداً- تتناسب ومتطلبات الوظيفة الجديدة فكان له ما أراد وتقلد منصبه الجديد الذى نقله الى عالم آخر من السلطة والنفوذ والراتب المختلف فلم يعد يشكو من تعسف الشركة ولا ضغطها فى العمل مثلما كان يفعل صغار الموظفين -وما زالوا-صحيح أنه عانى فى بداية الأمر من تبريراته المستمرة -والمكذوبة- على مرؤوسيه ،الأمر الذى كان يستنكره ويرفضه فى البداية مؤكداً على ثباته على بعضاً من مبادئه التى تخلى عنها رويداً رويداً مع بداية تقلده المنصب الجديد الا أن تلميحات من فوقه بامكانية فقده موقعه هذا اذا ما استمر بسياسته تلك بدد فى نفسه ما تبقى من تلك المبادىء فبات يستعذب التبريرات المكذوبة ويتحين الفرص من آن لآخر ليتصيد بها خطاء من أخطاء مرؤوسيه ليبرهن على حسن قيادته وكفاءته لهذا المنصب ،ولهذا فهو لم يتردد فى أن يعنف محمود زميله القديم فى العمل والذى تأخر عن موعد العمل عشر دقائق كاملة فاستشاط (سمير) غضباً واندفع يبالغ فى شرح الخسائر التى يمكن أن تتكبدها الشركة بسبب هذا التأخير وكيف أن عشر دقائق خلال شهر تعنى أكثر من أربع ساعات كاملة ولك أن تتخيل حجم العمل الذى يمكن أن ينجز خلال هذا الوقت ناهيك عن الراتب الذى تتحمله الشركة لهذا الوقت الضائع وكم هى النسبة التى يمكن أن تنمو بها أرباح الشركة فالدقيقة الوحدة تعنى ……
أثناء حديثه الغاضب مع زميله السابق الذى وقف مذهولاً أمامه يتابع حديثه فى صمت حانت من سمير التفاته للمرآة التى أمامه والتى تحتل مساحة صغيرة خلف مكتب زميله ولم يدر لماذا أحس أن الصورة المنعكسة أمامه لا تشبهه بالمرة
كانت ملامحها متغيرة عن ملامحه التى يعرفها ويطالعها كل يوم فيما سبق
فقد كانت أقرب ما يكون الى شخص يعرفه جداً
الى صديقه الحالى (ماجد)
وأحس كما لو كان ينظر اليه وابتسامته الساخرة تلتهم وجهه وهى تتسع
وتتسع
وتتسع…….
* * *
تمت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قصة قصيرة | السمات:قصة قصيرة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























نوفمبر 13th, 2009 at 13 نوفمبر 2009 12:19 م
مساءك سعيد اخي
جمعة مباركة علينا وعليك
استمتعت بوجودي هنا
نوفمبر 13th, 2009 at 13 نوفمبر 2009 6:06 م
اخي د احمد : الزمن دولاب ,,,
والدنيا دوارة ,,,
ولو دامت لك ما صارت لغيرك ,,,
قصة قصيرة مليئة بالمفاجآت ,,
تشد القارئ ,,,
والحبكة جميلة جدا ,,,
والخاتمة رائعة ,,,
فالنفس البشرية تحب التسلط ,,,
ولا تكترث بالظلم الا اذا وقع عليها ,,,
دمت ودام القلم الرائع ,,,
انت مبدع في القصة القصيرة ,,,
رغم صعوبة التعامل مع افكارها الكثيفة ,,,
اتمنى لك التوفيق ,,
تحياتي لك عزيزي ,,
نوفمبر 14th, 2009 at 14 نوفمبر 2009 7:27 ص
الدكتور أحمد
النفاق هو سبيل الوصول ولبلوغ …لكن فقط فى الدول المتخلفة …..عندما يكون قرار فرد فى مؤسسه أو دولة هو كل شئ
المؤسسية الآن فى العالم تخلصت من أثار وأوزار الفردية المقيته
العمل و الاتقان فقطهما سر النجاح فى اى مؤسسية جيدة
قصة فيها العبرة و العظة من واقع متخلف مظام لايساعد الا على نمو الحشرات الرطبة و اللزجة
تحياتى لابداعك الهادف
نوفمبر 15th, 2009 at 15 نوفمبر 2009 4:32 م
الفارس الجميل
اعجبتنى قصتك
بوركت اخى و بورك حسك القصصى
و دمت بالف خير
نوفمبر 16th, 2009 at 16 نوفمبر 2009 11:12 ص
أخي الفاضل
شكرا لمرور الكريم
لي عودة لقراءة القصة
تحياتي ومودتي
نوفمبر 17th, 2009 at 17 نوفمبر 2009 8:59 م
قصة رائعة
تمثل صورة عن واقعنا المر الملئ بالظلم والتسلط والمحسوبية والرشوة وغيرها من الأفات
مجتمع يعيش فيه صاحب المبادئ الشريفة والنبيلة كالقابض على الجمر هل يقاوم ويبقى في أدنى المراتب أو ينساق مع التيار فيبلغ أعلاها
لكن مهما اشتدت ظلمة الليل فالفجر آت
وحبل الظلم قصير
تحياتي ومودتي